الاثنين، 3 مارس 2008

الحكيم الثائر

...

الحكيم الثائر، الأخ، الأب، المناضل، الصديق الرفيق والمعلم... جورج حبش...

كيف نبكيه وهو أبداً معنا وبيننا...

نبكيه ولا يزال تراثه يوجه ويخطط وينفد الثورات والمقاومة وهو بعيد قريب... وهو يرانا وإن كنا لا نراه...

كنا نعرفه عن قرب وهو في عز شبابه وكهولته، ولكنه بقي شاباً محباً وعنيفاً، رحيماً لا يتنازل عن حق مخطوف ووطن سليب، وكان كله إيمان بأن لا شيء إلا النضال والكفاح المسلح يعيده إلى بنية وفقط بسواعد بنيه ولا غير بنيه...

كان يدرس، ويعلم ويوجه ويخطط وينفذ وقلبه وروحه بالكامل وكيانه مندمج بكل ما يفعل، حتى أنك لما كنت تراه وهو يتناول طعامه بشغف كان كما لو أنه كان يقوم بواجب ليبقيه حياً كي يعمل. وأذكر أنه في زيارة لي ومجموعة من رفاقه وطلابه إلى دمشق استضافنا للنوم جميعاً في غرفته وقد عاد للنوم بعد أن نام الجميع ولما استيقظنا كان قد استفاق وعاد إلى حيث يتابع العمل/النضال. كان دائما في سباق مع الزمن خصوصا بالنسبة لرجل من طينة المناضل جورج حبش، كان يعرف بأن حياة الإنسان مهما طالت فلن تكفي حتى يتمم العمل الذي عزم النفس بأن ينهيه، وهل ينتهي الكفاح... ولكنه ويا للأسف فارقنا ولا يزال الوطن محتلا مشتتا،ً والشعب مشرداً مقهوراً، من ذوي القربى قبل العدو... ولكنه كان على يقين بأن حجر الأساس الذي وضعه بمشاركة شهدائنا ألكثيرين مجبولا بدمائهم سيقوم عليه البنيان الصلب بنيان تحرير الأرض ووحدة الأمة وإزالة الحدود التي خطط لها ونفذها الاستعمار والصهيونية مع زبانيتهما من الحكام العرب، ومن كان يسميهم الفئات الحاكمة العميلة. كان مؤمنً بأنه مهما طال الزمن وعظمت التضحيات وتراكم في مواكبها الشهداء، كل منهم على طريق الفداء يتزاحم لاسترجاع الكرامة المهدورة سيتحقق ما سقطوا في سبيل تحقيقه...

طبعاً لن آتي بجديد عندما أقول أنه قومي عربي ووحدوي حتى نخاع العظم، فليس "أول" عنده قبل أو بعد العروبة حتى فلسطين التي عاش ومات في سبيل تحريرها وهي جزء من هذا الكل، فما لها إلا لما غيرها من أجزاء وطنه العربي الكبير الممزق المستعمر المحتل بحكامه قبل الأجنبي الغاصب خصوصاً على نسق حكام هذه الأيام الذين يقولون بلبنان أولا والأردن أولا ومصر أولاً. لقد نشأ وعلم وبشر بأن لا من أول قبل الوطن العربي كله. لم يتغير ولم تغره مغانم وأسلاب الدنيا، لا جاه ولا مال وبقية متاعها.

الحكيم الثوري وإن قضى على جسده المرض وأرهقته السنون ومات في فراشه لكنه قضى شهيداً يستحق تكريم الشهداء... ومن يتابع وسائل الإعلام العالمية والمحلية تتسابق لتنعيه، وإن كان الكثير منها المرتهنة للعدو الصهيوني ووسائله، قد تشفت وسرت أيما سرور برحيل الرجل ألذي أقلق الصهيونية والاستعمار والحكام العرب على كثرتهم. حتى أن الصهاينة لم يأتمنوه في فراش مرضه وقد ذهب إلى فرنسا للعلاج فثار غضبهم وأصروا وشددوا على أن يسلمه حكام فرنسا لهم وهو الذي قضى حياته بمحاربة كل هؤلاء الأعداء، ولكن جبن الحكومة الفرنسية التي جاء إلى أرضها طلباً للاستشفاء اضطرت بأن لا تتجاوب مع طلب الكيان الصهيوني وتسليمه الحكيم المريض لهم، خوفا من غضبة شعب الحكيم الثائر، ولكن الحكومة الفرنسية عادت واقتلعته من مشفاه كما سبق للإرهاب والعنصرية الصهيونيين أن اقتلعاه وشعبه من بيته وأرضه، لم يأبه حكام فرنسا الذين لا يزال الاستعمار ينخر عظامهم بالتداعيات التي قد تتأتى على صحته من مثل هذا العمل ألا إنساني وألا أخلاقي.

كان هم الكيان الصهيوني القضاء على الرجل بأي وسيلة ممكنه وغير ممكنه، خطفوا الطائرات لخطفه وكان سيبقى بقية عمره في زنازينه لو نجحوا في ذلك ولكنهم فشلوا، حاولوا الكثير لاغتياله بشتى الوسائل والمؤامرات كما تمكنوا من اغتيال رفاقه ورفاق دربه ومنهم على سبيل المثال وآلا حصر زميل الدراسة والتطبيب والعمل الثوري الشهيد الدكتور وديع حداد، وباسل كبيسي المناضل العربي العراقي الذي تربصوا له وهو في إحدى مهامه النضالية لأجل القضية العربية القومية، فلسطين، في باريس، وغسان كنفاني القلم الثائر والمناضل الذي استشهد برفقة ابنة شقيقته، ابنة الثانية عشر في إحدى عمليات الاغتيال المستهدفة للمناضلين في مسا قط رؤوسهم وشتاتهم لكسر شوكة المقاومة المسلحة التي لا سبيل للتحرير إلاها، وقد فشلوا في بعض الأحيان ونجحوا في تنفيذ محاولات اغتيال أخرى ضد الكثيرين. ولا ننسى منهم رفيقه بالنضال والقيادة ووريثه في الأمانة العامة للجبهة التي كان من طليعة مؤسسيها، الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، المناضل الكبير أبو علي مصطفى وأسر خليفتهما في الأمانة العامة، المناضل أحمد سعدات، وغيره من قادة المقاومة في لبنان وفلسطين وغيرهما، ومن فشل هذا العدو الحاقد باغتيالهم من رفاق دربه في والمقاومة الفلسطينية والعربية ألأخرى ومنهم من لم يكن فلسطينياً مثل هاني الهندي وإن تركوا على جسده آثر إرهابهم وكيدهم وعنصريتهم، قطعوا يد هاني الهندي ولكنهم لم يكسروا قلمه، فالقلم العربي يقلق العدو الصهيوني مثلما تقلقه البندقية.

العدو الصهيوني كان يستهدف الحكيم الثائر وبشكل خاص لأنه مسيحي عربي مناضل ومقاتل فهم هذا العدو أن يقنع العالم بأن العداء عداء يهودي إسلامي وليس صهيونياً عربياً، كان همه أبداً تحقيق هذا الهدف العنصري الكذبة فركز على تهجير العربي المسيحي قبل شقيقه المسلم ليخلو له المجال في محاولة إثبات أطروحة صراع الثقافات والأديان بادعائه أن الغرب ذو ثقافة وتراث مسيحي/يهودي يواجه ما يدعوه بالإرهاب الإسلامي أي الإسلاموفوبيا.

يا أيها الحكيم اسمح لنا بأن نزرف عليك دمعة حارة، نذرف دمعة على إنسان مناضل قليل المثال فأنت وإن لا نزال نشعر بوجودك بيننا فقد تركت فراغاً في قلوبنا، أنت صاحب الشخصية الآسرة والخلق السوي النبيل الذي لم ولن ينكره أحد عليك حتى من كان في صف ألد أعدائك. رحمك الله ورحمنا في مآسينا الكبيرة بفراقك وفراق شهدائنا. وفي ذمة الله والتاريخ يا حكيم الثورة والنضال... يا جورج حبش...

أديب قعوار

ألقيت هذه الكلمة في حفل تأبين في النادي الثقافي العربي للراحل الكبير

المناضل الحكيم د. جورج حبش يوم الجمعة 29 شباط 2008

ليست هناك تعليقات: