الاثنين، 28 يناير 2008

في وداع القائد المعلّم






في كنيسة الروم الأرثوذوكس

في وداع القائد


"يا قائدنا ارتاح ارتاح"
الاعلان الذي قرأته يوم أمس عن وداع القائد كان يقول أنه سيتم نقل الجثمان من المستشفى الى الكنيسة الساعة الواحدة ظهرا... أجريت اتصالات للتأكد فوجدت أن الجثمان أصبح في الكنيسة من الساعة الثانية عشرة..سارعت بالاستعداد وذهبت وزوجتي وابني الى كنيسة الروم الأورثوذوكس في منطقة عبدون الصويفية...وكانت مكتظة بالمودعين والأعلام " رايات الجبهة ورايات الوطن مع بعض رايات التنظيمات الصديقة، كانت تتعانق في كل مكان. وصور الحكيم ترتفع بأيدي الشباب الذين يتوعدون المستسلمين والصهيونية ورأس الحية أمريكا، ويهتفون منددين بها... وامتلأت الكنيسة بالمشيعين وحضرت وفود من دمشق وفلسطين؛ ماهر الطاهر، نايف حواتمة، الزعنون، أبو علاء، أحمد الطيبي، عباس زكي، ياسر عبد ربه، وغيرهم ....وتمت الصلاة على الحكيم، وألقى الأب قرمش كلمة وطنية خالصة ومخلصة، أعادتني حوالي أربعين عاما للوراء عندما كنت أزور هذا الأب العظيم في بيته في منطقة العبدلي...وكان ووالدته يمثلان نوعا من الدفء الذي أحب والذي كنت أفتقده بفقداني لأسرتي التي صمدت وبقيت داخل فلسطين بعد حرب حزيران1967، وفضلت الصبر على الهوان والجوع والقهر، متشبثين بالأرض والشجر والحجر، على البحث عن حياة أفضل خارج الوطن. ألقى علينا هذا الأب العظيم كلمة ثورية موجهة لعائلة الحكيم ورفاقه والحضور مع حفظ الألقاب" كما قال" ودعى للوحدة والتلاحم من أجل الوصول الى التخلص من العدو المتربص، وقال أن جورج جاء من مدينة القديس جورج " الخضر" الذي عذب وقتل على أيدي الرومان لأنه قاوم احتلالهم وقاوم تواجدهم وبذلك فان هذا الحكيم "جورج" يعيد الكرّة من جديد. ومن بعده ألقى الزعنون كلمة الرئيس الفلسطيني، ثم ألقيت كلمة ماهر الطاهر الذي تحدث عن آخر لقاء مع الحكيم قبل يوم عندما سأله عن الوطن فأخبره باجتياز الحاجز الحدودي ، ففرح وقال سيأتي يوم ويجتاز شعبنا كل الحواجز والحدود..
بعدها تحركنا في موكب ليس كمثله، وهذا جزء من الوفاء لقائد عظيم ترك وطنه قبل ستون عاما ليتعلم الطب فكسر قلبه احتلال الوطن من طغمة الأشرار الذين تجمعوا من كل العالم يبحثون عن أرض يدنسونها ، غير عابئين بأهلها أو برأي الآخرين، تماما كما يحصل في أي سوق خضار في العالم الثالث حينها على الأقل، فشلّة الزعران المسلحة بالعصي والشفرات لا تجد من يردعها فهي لا تكترث بالآخرين ولا تعطهم أي وزن، ولا تجد ما يردعها فليس ثمة خلق أو ضمير!! وتخرّج ليجد وطنه سقط بيد العدو، ومواطنيه باتوا في العراء في الدول المجاورة، فافتتح عيادة على مقربة منهم ليداوي جراحهم، وقد فعل..الا أنه اكتشف أن لم يستطع مداواة جروح الداخل، جروح الروح والنفس والقلب...فالوطن لم يعد الا في الحلم. مما دعاه لاكمال المسيرة التي بدأها في الجامعة بتأسيس حركة القوميين العرب...ومن ثم تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. قائد عظيم بقي خارج الوطن يصارع ويقاتل ويعلم ويعمل بكل الجد والجهد، حتى استشهد في عمان من التعب والقهر والكفاح المستمر طيلة عمر، فدفن خارج الوطن...فقد آثر من البدايةان لا يعود اليه الا بعودة اللاجئين.
في مقبرة عادية خارج عمان، على طريق العراق، ووري الثرى، وبقي هناك، كما قال المطران في القداس ...لن يخاف طيرا في عتمة الليل ولا شيئا في النهار....
مرة أخرى أيها الرفيق،
الى جنات الخلد، آن لك أن ترتاح الى جانب الأحبة وعشاق الوطنية وفلسطين..فوديع حداد، وجابر، وغسان كنفاني، وأبو علي،وأبو عمار وكل الرفاق الثوار الذين مضوا، كلهم هناك شجرات باسقة ، ترفع رأسها في السماء، وجذورها تمتد في أركان الأرض ، لا زالت تفيء بظلها كل الباحثين عن الوطن، والمناضلين لتحريره، والباحثين عنه كل لحظات الحياة وأحلام النوم ، وان كان لونها بنيا خريفيا الا أنها ما تزال واقفة. وكل الرفاق من تحتها ينشدون:
باسم الشعب،
ويا زهرة النيران...
ويصنعون لحظات انتصار.

الأحد، 27 يناير 2008

أشجار تفيء بها الشعوب

الحكيم

جورج حبش الأمين العام الأسبق للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين من أبرز القادة الفلسطينيين. و تحظى شخصيته باحترام كبير في الأوساط الفلسطينية و العربية، ويكاد يجمع الفلسطينيون على تلقيبه بالحكيم، ليس كونه طبيبا فقط، انما تقديرا لدوره في النضال من أجل القضية الفلسطينية منذ عام1948 وحكمته في ذلك الدور.

وأثناء دراسة حبش للطب بالجامعة الأمريكية في بيروت أعلن ديفيد بن غوريون قيام دولة إسرائيل و منذ ذلك اليوم تحولت اهتماماته القومية إلى عقيدة سياسية دفعته بعد ذلك بسنوات لاعتزال مهنة الطب و التفرغ للعمل السياسي، حيث تحول اسمه إلى أحد الأسماء التاريخية في السياسة العربية في النصف الثاني من القرن العشرين.

ولد في مدينة اللد في آب 1925 لأب ثري يعمل في مجال التجارة وفي أسرة ممتدة من سبعة أبناء، و توجه إلى بيروت في سنة 1944 ليلتقي هناك مع الفكر القومي العربي الذي شكل أول روافده الفكرية ومرجعيته السياسية.

بعد النكبة و تحول أسرته إلى لاجئين، توجه حبش بعد انهاء دراسته الجامعية إلى عمان لينشيء عيادته الخاصة في سنة 1952 ويطلق في السنة نفسها نواة لحركة القوميين العرب في الأردن، حيث استخدم هذه العيادة التي كان يقدم خدماتها بالمجان لأبناء المخيمات الفلسطينية منبرا لأفكاره السياسية. ولكن التجربة لم تستمر طويلا فانتقل إلى سوريا التي شهدت سيادة المد القومي في تلك السنوات، ونتيجة لعلاقاته المتميزة مع المصريين و السوريين وفي لحظة الاحتشاد المعنوي التي أسفرت عنها الوحدة بين القطرين في 1958 عزز من مواقعه السياسية. إلا أن هذه التجربة تحديدا أدت فيما بعد لخروجه من حركة القوميين العرب. ولحظة الانفصال تحول الحكيم إلى مطارد من القادة الانفصاليين في سوريا و صدر بحقه حكم بالإعدام عام 1961.

واضطر نتيجة الأوضاع الساخنة في المنطقة و التجاذبات في النفوذ الإقليمي بين الدول العربية للسفر إلى بيروت. ومن هناك عاد إلى تنظيم أفكاره و رؤاه بخصوص حركة ثورية فلسطينية، ولكن نكسة 1967 دفعت به للدخول في المواجهة. ونتيجة لرؤياه وفكره حول الأداء العملي للنظرية القومية العربية تبنى مع فريق كبير من المناضلين في حركة القوميين العرب الأفكار الماركسية اللينينة وتأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في نهاية 1967، ليتعرض بعدها للاعتقال في سوريا وثم تهريبه منها في سنة 1969. وكان اندفاعه الثوري وايمانه بالقوى الثورية العالمية و رغبته بدمج حركته في إطار الحركة الشيوعية العالمية بالإضافة إلى وجود نخبة من الرفاق معه، قد أدى للقيام ببعض العمليات الفدائية التي أوصلت اسم فلسطين الى آذان العالم، ولفتت أنظارهم الى وجود القضية، وهنا آثر العودة إلى لبنان العروبة والحرية والنضال والديموقراطية.

لم يكن بوسع جورج حبش، الذي أطلق عليه مريدوه من أنصار الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين لقب (الحكيم) كما أسلفنا، والذي تحول إلى لقب معترف به بين الفلسطينيين مهما اختلفوا مع آرائه أو وقفوا في وجهها، أن يتجاوز محطة الحرب الأهلية في لبنان 1975 حيث أصبح محسوبا كطرف في هذه الحرب. فيخرج بعد ذلك مع القوات الفلسطينية التي غادرت بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان في 1982 إلى دمشق مؤكدا على تمسكه بخيار المقاومة كحل للقضية الفلسطينية، وبهذا الموقف تشبث الحكيم طيلة الفترات اللاحقة.

في سنة 1990 عاد حبش إلى عمان للعلاج قريبا من الأسرة ليستقر بها حتى وفاته. وبعد اتفاقية اوسلو 1993، اشترط عودته لفلسطين بعودة جميع اللاجئين أولا.

وبقي أمينا عاما للجبهة الشعبية حتى عام 2000 حيث تقدم باستقالته من منصب الأمين العام ليبقى بمثابة الأب الروحي لجميع كوادر الحركة التي مرت بظروف صعبة في السنوات الأخيرة، ضاربا بذلك مثلا لا يجاريه به أي من القادة والزعماء اللاهثين وراء المال والمنصب والجاه.

ورحلة حبش مع المرض بدأت عندما أصيب أصيب بأول جلطة في القلب و تواصلت متاعبه الصحية لأكثر من ثلاثين عاما، ولكن تشبثه بالمقاومة في مجال النضال السياسي ألهمه التشبث بالمقاومة في رحلة المرض. فقد توفي مساء السبت26 كانون ثاني 2008 في عمان نتيجة متاعب صحية أعقبت عملية جراحية أجراها في مستشفى الاردن عن عمر يناهز 83 سنة و رحلة طويلة مع النضال والثورة والعطاء. وكان قد دخل المستشفى في التاسع عشر من الشهر الجاري على إثر احتشاء حاد في عضلة القلب، و أجريت له عملية توسعة للشرايين بالبالون وزراعة شبكتين، إلا أنه ونتيجة ضعف عضلة القلب حدثت الوفاة بسبب مضاعفات هبوط في القلب.

نعم مات جسد الحكيم، ولكنه خلّف وراءه قادة وكوادر عظام يؤمنون بالوطن والتحرير والعودة والعزة والكبرياء والأنفة عن كل الضعف والهوان والتواني عن اندفاعة المناضل نحو الهدف. انهم متمسكون بكل الثوابت التاريخية الراسخة رسوخ النخاع داخل العظم بأن فلسطين لنا من الشريعة وحتى كيلو مترات داخل المتوسط، ومن رأس الناقورة شمالا الى الرشراش على البحر الأحمر جنوبا، رغم أنف العدو والمشككين والمتآمرين والمتواكلين وعشاق المناصب المتكالبين على أبواب العدى، والمستجدين لحرية الفلسطيني ودولته على أعتاب" اللي بسوى واللي ما بسوى".

نعم أيها الحكيم...بقطرات الدم وكل الألم نكتب كلمة عزاء لأهلك وذويك وأبنائك من الجبهة، وكل الأحرار على كوكبنا مأكدين شعارنا:

اما فلسطين

واما النار جيلا بعد جيل

فهذا قسم تعلمناه لزهرة النيران في أرض الجليل، وحفرناه في القلوب وأورثناه للأبناء وأبنائهم...فسيبقى!!

الأربعاء، 23 يناير 2008

أوراق لا تعرف الا فلسـطين



أوراق كثيرة في زحمة الطريق، كل منها تحب أن تكون الأولى. حقيقة ليس من طريقة للاختيار. لكن الأولى التي تقع عليها عيناي، هي التي دعتني لانشاء هذه الصفحة. خاصة وان التلفاز من خلفي ما زال يتحدث عن أبطال غزة، لكن بصورة أكثر هدوءا من أول أمس، عندما كان الناس في شوارع غزة المظلمة التي خلت بيوتها من وسائل الانارة والتدفئة في هذه الليالي الباردة والتي كانت تختم أيام التجمد القاتل الذي مر على المنطقة فشلّ الحياة وقضى حتى على لقمة الغذاء من النبات والزرع.
هم كذلك، وأبناء الأمة يسبتون في البيوت من شدة البرد وفراغ اليد والحيلة، ربما لايمانهم القطعي بعجزهم الكلي وعدم قدرتهم على فعل شيء ، وربما لأمور أخرى أكثر سلبية وهوان.
في هذه اللحظات كنت خارج البيت، وكانت احدى الاعلاميات الفلسطينيات، التي كان لي شرف تدريسها مادة اعلامية خلال فترة دراستها الجامعية، تعيش قهرا قاتلا في مكتب عملها، لأنها لا تعرف ما عليها أن تفعل وهذه الأمة تغفو. فكانت تحاول التحدث معي عبر المسنجر دون جدوى.

عندما عدت أسعدني ما قالت وحسبت أنها ما زالت موجودة على النت، وأفرحني أن في هذه الأمة من يحس بأولئك النشامى ولو بكلمة. فأخذت أكتب لها جوابا لجملتها التقريرية التي حسبتها سؤالا يتحدى القهر الذي يملأني . فكانت هذه الورقة:

M.... says:

دكتور زهير مساء الخير

M.... says:

غزة تنزف تحت ظلام دامس فهل من مجيب كلنا غزة وكلنا

M.... says:

دكتور زهير

M.... says:

موجود

f says:

: انه يوم من أيام الوطن..تم التحضير له منذ 40عاما وشهور..عندما أصبح عدونا على تماس تام معنا؛ من الرأس حتى طرف الظفر في القدم، عبر الجسور المفتوحة التي حسبها السذّج منا أنه شيء ايجابي، شكرنا الله عليه في صلاتنا وقيامنا وأحلامنا..بينما كان هو يدرسنا؛ بحث فينا؛ كل ما بداخلنا حتى وصل الى جيناتنا، درس عنا كل شيء. ماذا يهمنا ومالا يهمنا، طعم الماء التي نحب، والفكر الذي يخدرنا...

وجاء ما أسموه السلام، فكان له أن يبدأ فينا التغيير الذي يحب.

نهب منا عواطفنا فأصبحنا نسمي أنفسنا واقعيين،

وسلب منا الدين ومحبتنا لبعضنا، فأصبحنا نوسم أنفسنا أننا علمانيون،

وحتى الحياة من عروقنا أخذ، فصرنا هادئين، كما نرى الغرب.

لم يعد لدينا حميّة ولا نحب أن يكون لنا جاه ولا حتى نسب، فكل هذه أصبحت بنظرنا نظرة للوراء وعلامة تخلف ووصمة عار قد تقود لوصفنا بأننا ارهابيون..اذا علينا أن نكون غربيين

f says:

كما نراهم على الشاشات وفي بؤر الاعلام الفاسد الذي يصورهم هكذا فيكذب علينا مرتين:

الاولى أنهم ليسوا كذلك.

f says:

والثانية أنهم حتى لو كانوا كذلك فهم قبل هذا وذاك مرفهون لأن حياتهم مؤمّنة من البداية حتى النهاية...

لديهم رغيف خبز ونحن لا نملك،

لديهم بيت ونحن لا نملك ،

لديهم مدرسة وجامعة وطبابة ونحن لا نملك،

الا من رحم ربي ممن قضى حياته في بلاد الغربة يجتر ألم الماضي الذي صار يبعد عنه أكثر وأكثر..من أجل حفنة دولارات أو يوروات أو ربيّات أو دراهم أو ريالات، ليحمي أبناءه من عوز كل ما ذكرت...مع انها للغربي "النعّوم" الهادئ يكفلها النظام والقانون والدولة....فليس من ضير أن يصبحوا كذلك" ان كانوا حقا كذلك" ولكن الضير والعار واليأس والهزيمة أن نصبح كذلك ونحن لاشيء....

f says:

وتسأليني عن غزة؟!

ان كل لياليها ظلام، رغم ما قدم العدو وأعوانه من أضوية وانارات ووسائل راحة ليست الا زبد البحر بانتظار لحظة انتصار على هؤلاء الصامدين هناك وفي كل فلسطين من أهلنا...

ولكن الغد آت..وليفعلوا ما يفعلوا...

ان أولئك البواسل ليسوا بحاجة لتعاطف أمة كسلى،

فقدت كل ما تملك حتى قيمها وشرفها...والأبلى.....حتى نفسها.

f says:

أعتذر لك أنني لم أكن موجودا لحظة اتصالك..ولكن لحظات الألم كانت ترافقني...فأخرجت هذه الحروف مقدمة لشيء ما أرجو الله أن يعطني قدرة على متابعته...الى لقاء

اعتذر عن أية أخطاء ان وجدت لأني أكتب بحرقة وبسرعة وليس من سبيل للمراجعة.