
الاعلان الذي قرأته يوم أمس عن وداع القائد كان يقول أنه سيتم نقل الجثمان من المستشفى الى الكنيسة الساعة الواحدة ظهرا... أجريت اتصالات للتأكد فوجدت أن الجثمان أصبح في الكنيسة من الساعة الثانية عشرة..سارعت بالاستعداد وذهبت وزوجتي وابني الى كنيسة الروم الأورثوذوكس في منطقة عبدون الصويفية...وكانت مكتظة بالمودعين والأعلام " رايات الجبهة ورايات الوطن مع بعض رايات التنظيمات الصديقة، كانت تتعانق في كل مكان. وصور الحكيم ترتفع بأيدي الشباب الذين يتوعدون المستسلمين والصهيونية ورأس الحية أمريكا، ويهتفون منددين بها... وامتلأت الكنيسة بالمشيعين وحضرت وفود من دمشق وفلسطين؛ ماهر الطاهر، نايف حواتمة، الزعنون، أبو علاء، أحمد الطيبي، عباس زكي، ياسر عبد ربه، وغيرهم ....وتمت الصلاة على الحكيم، وألقى الأب قرمش كلمة وطنية خالصة ومخلصة، أعادتني حوالي أربعين عاما للوراء عندما كنت أزور هذا الأب العظيم في بيته في منطقة العبدلي...وكان ووالدته يمثلان نوعا من الدفء الذي أحب والذي كنت أفتقده بفقداني لأسرتي التي صمدت وبقيت داخل فلسطين بعد حرب حزيران1967، وفضلت الصبر على الهوان والجوع والقهر، متشبثين بالأرض والشجر والحجر، على البحث عن حياة أفضل خارج الوطن. ألقى علينا هذا الأب العظيم كلمة ثورية موجهة لعائلة الحكيم ورفاقه والحضور مع حفظ الألقاب" كما قال" ودعى للوحدة والتلاحم من أجل الوصول الى التخلص من العدو المتربص، وقال أن جورج جاء من مدينة القديس جورج " الخضر" الذي عذب وقتل على أيدي الرومان لأنه قاوم احتلالهم وقاوم تواجدهم وبذلك فان هذا الحكيم "جورج" يعيد الكرّة من جديد. ومن بعده ألقى الزعنون كلمة الرئيس الفلسطيني، ثم ألقيت كلمة ماهر الطاهر الذي تحدث عن آخر لقاء مع الحكيم قبل يوم عندما سأله عن الوطن فأخبره باجتياز الحاجز الحدودي ، ففرح وقال سيأتي يوم ويجتاز شعبنا كل الحواجز والحدود..
بعدها تحركنا في موكب ليس كمثله، وهذا جزء من الوفاء لقائد عظيم ترك وطنه قبل ستون عاما ليتعلم الطب فكسر قلبه احتلال الوطن من طغمة الأشرار الذين تجمعوا من كل العالم يبحثون عن أرض يدنسونها ، غير عابئين بأهلها أو برأي الآخرين، تماما كما يحصل في أي سوق خضار في العالم الثالث حينها على الأقل، فشلّة الزعران المسلحة بالعصي والشفرات لا تجد من يردعها فهي لا تكترث بالآخرين ولا تعطهم أي وزن، ولا تجد ما يردعها فليس ثمة خلق أو ضمير!! وتخرّج ليجد وطنه سقط بيد العدو، ومواطنيه باتوا في العراء في الدول المجاورة، فافتتح عيادة على مقربة منهم ليداوي جراحهم، وقد فعل..الا أنه اكتشف أن لم يستطع مداواة جروح الداخل، جروح الروح والنفس والقلب...فالوطن لم يعد الا في الحلم. مما دعاه لاكمال المسيرة التي بدأها في الجامعة بتأسيس حركة القوميين العرب...ومن ثم تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. قائد عظيم بقي خارج الوطن يصارع ويقاتل ويعلم ويعمل بكل الجد والجهد، حتى استشهد في عمان من التعب والقهر والكفاح المستمر طيلة عمر، فدفن خارج الوطن...فقد آثر من البدايةان لا يعود اليه الا بعودة اللاجئين.
في مقبرة عادية خارج عمان، على طريق العراق، ووري الثرى، وبقي هناك، كما قال المطران في القداس ...لن يخاف طيرا في عتمة الليل ولا شيئا في النهار....
مرة أخرى أيها الرفيق،
الى جنات الخلد، آن لك أن ترتاح الى جانب الأحبة وعشاق الوطنية وفلسطين..فوديع حداد، وجابر، وغسان كنفاني، وأبو علي،وأبو عمار وكل الرفاق الثوار الذين مضوا، كلهم هناك شجرات باسقة ، ترفع رأسها في السماء، وجذورها تمتد في أركان الأرض ، لا زالت تفيء بظلها كل الباحثين عن الوطن، والمناضلين لتحريره، والباحثين عنه كل لحظات الحياة وأحلام النوم ، وان كان لونها بنيا خريفيا الا أنها ما تزال واقفة. وكل الرفاق من تحتها ينشدون:
باسم الشعب،
ويا زهرة النيران...
ويصنعون لحظات انتصار.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق